حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

434

التمييز

وحديث النّفس وكليهما مخلّ بالعبادة بل مانع لها ، فإنّ القلب واحد فإذا اشتغل بشيء انقطع عن ضدّه فأمّا إذا زهدت / 213 ب / وتجردت عنها فتفرّغت بظاهرك وباطنك تعاونك أعضاؤك وتتيسّر لك العبادة . قال سلمان رضي اللّه عنه : إنّ العبد إذا زهد في الدّنيا استنار قلبه بالحكمة وتعاونت أعضاؤه في العبادة فهذه هذه ، وثانيها الخلق فعليك بالتفرّد عن الخلق والاعتزال عنهم لأنّ الاختلاط مع خيار الخلق يشغلك عن اللّه فما ظنّك بغيره . وثالثها النّفس الأمّارة بالسوء فعليك بالحذر منها فإنّها أضر الأعداء وداؤها أعضل الأدواء لأنّه عدو من داخل واللّص إذا كان من البيت عزّت الحيلة فيه وعظم الضرر به ، مع أنّه عدو محبوب ، والإنسان عمّي عن عيوب محبوبه ، فالتدبّير أن تلجمها بلجام التّقوى والورع وهما تربيتها وتقويتها ، وهي مطيتك فذلّلها على حدّ لا تتلف عليك ولا تجحف بك . وتذليل النّفس يكون بثلاثة أشياء ؛ منع الشهوات ، وحمل العبادات والاستعانة باللّه والتضرّع إليه أن يعينك . وأمّا الشّيطان إنّه عدوّ لا مطمع في مصالحته بل لا يقنعه إلّا هلاكك فلا وجه للأمن من مثل هذا العدو أصلا ، والتدبير في دفعه الاستعاذة باللّه بالإخلاص وكلمة الاخلاص . لما جاء في الحديث حاكيا عن اللّه : « لا إله إلّا اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي » ، والشيطان سبب العذاب ، والأمن من العذاب يكون بالخلاص من شروره / 214 أ / وقد نبّه اللّه تعالى ذلك في القرآن الكريم . فقال تعالى وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ « 1 » . ففي معناه من ذكر الرّحمن لم يكن الشّيطان قرينا له . وورد في الخبر « أن نبيا من الأنبياء قال لملك الموت : أما لك رسول تقدّمه بين يديك ليكون النّاس على حذر منك ، قال : نعم ، واللّه رسل كثيرة من العلل والأمراض والشيب والهرم وتغيير السمع والبصر ورحلة الأقران ونقلة الجيران ، فإذا لم يتذكّر من نزل به الغير ورأى العبر ولم يتب ويستغفر فإذا قبضته ناديته ألم أقدّم إليك رسولا بعد رسول ونذيرا بعد نذير أنا الرسول الّذي ليس بعدي رسول والنذير الّذي ليس بعدي نذير » ، فحقّ

--> ( 1 ) سورة الزخرف : آية ( 36 ) .